ماذا رأيت فيه؟ لا شيء.. لا شيء البتة..

هو فقير، معدم، لا يبدو أن لديه مستقبل. هو من النوع من الرجال الذي لو سألته في مقابلة عمل:
كيف ترى نفسك خلال خمسة أعوام؟
ستجده محتارًا ومرتبكًا، كأن عقله توقف عن العمل، لأنه لا يرى أبعد من الثواني الخمس التالية، لا أكثر وربما أقل.

لن تجده ينظر في الأفق ويفكر في المستقبل البعيد، لا يتحدث عن تجارة الكريبتو أو أهمية الاستثمار في البورصة من أجل توفير معاش مريح. هو يعيش لأنه يتنفس، لا أكثر ولا أقل.

يحب القهوة بشدة، ويحب الألعاب المسلية. لعبة الورق هي هوايته، دائمًا في جيبه، ولا يلعبها ليَربح. لا أظن أنه يعرف شيئًا عن الربح أو الخسارة، ولا يفهم معناهما. هو فقط يلعب للتسلية، كما يرقص للتسلية.

لا أراه استعراضيًا ناجحًا، إلا إذا كان يلعب دور البهلوان المسلي لمجموعة من الأطفال من سن صفر إلى ثلاث سنوات. أكثر من ذلك سيضحكون عليه ويلقون عليه الطوب.

ربما أحببته لبساطته. رغم أنه لا يملك من المال شيئًا تقريبًا، إلا أنه يعرف كيف يعامل المرأة، يعرف كيف يضمها إلى جسده، وكيف يقبلها. كنت أشعر بالأمان معه، أكثر من زوجي.

لم أقل لكم إنني متزوجة، أليس كذلك؟
انتقلت من خانة العاشقة إلى خانة الخائنة في غمضة عين في نظركم.

أستطيع قراءة الخبر في الصحف، وبالتحديد صفحة الحوادث، بعنوان عريض:
(الزوج المكلوم يضبط زوجته مع عشيقها ويقتلهما)
وربما ينتهي الخبر بكلمة: (يحصل على البراءة).

لكن لا تقلقوا، زوجي لم يضبطني مع عشيقي، ولا يعرف عن ذلك الأمر شيئًا البتة. لأنه مشغول بتجارة الكريبتو والاستثمار في معاش مريح بعد زمن طويل، ينظر إلى الأفق ويستطيع أن يحدد لك إحداثيات أين سيكون بالضبط بعد خمس سنوات… ولكنه لن يراني.

الأمر بدأ بنزوة، ثم حب من طرف واحد. أحببته لبساطته وسهولة الكلام معه. تدرون شيئًا؟ إنه مسلٍّ للغاية. لو كنت أميرة في أحد قصور الإمبراطور العظيم، لكان هذا الرجل هو مسلّيّ المفضل.

يجعلني أضحك بلا عناء، يقول أشياء بأسلوب راقٍ، كلامه مثل الشعر، وصوته مثل غناء الطائر الحزين.

أرى السعادة في وجهه عندما يتكلم معي. أشعر أنني أعطيه شيئًا مفقودًا لديه: الألفة، والشعور بعدم الاغتراب.

ربما هو أيضًا يشعر بالأمان معي أكثر مما أشعر أنا معه بالأمان.

عندما تلتقي شفتانا، أجده مترددًا أكثر مني. أعطيه الأمان، أقول له: لا بأس، كل شيء سيكون على ما يرام. أضم شفتيَّ إلى شفتيه، وأشعر برعشة في جسدي مثل هواء شتاء منعش.

ثم حملت منه.

لا تقلقوا، كل شيء على ما يرام الآن. لم يعرف أحد سوانا.

كان مذعورًا مثل فأر وقع في المصيدة. حاولت تهدئته، لكنه ظل مذعورًا. وجهه الذي كان ينبض بالحياة اختفى فجأة، جسده أصبح باردًا مثل الموت.

لكنه كان رجلًا على خُلُق، لذلك أحببته. قال إنه سيفعل ما يستطيع من أجل مساعدتي، وسألته:
وهل ستعترف بالطفل؟
قال: نعم، سأعترف به.

قلت له: سيقتلك أهلي قبل زوجي.

حدثته عن الإقطاعيين القدامى، وكيف أن نابهم أزرق مثل لون دمائهم. لم يفهم، وقال لي:
“كلنا دمنا أحمر يا ست الكل.”

أعجبني رده الشجاع، لكن لم تعجبني جسارته حين قال:
“إحنا معملناش حاجة غلط غير إننا حبينا بعض.”

لن يفهم. هذا حب مستحيل، بطبقات متعددة، كل طبقة أعقد من التي قبلها. الجهل غنيمة، وهو غني بالجهل.

استدعيته للمرة الأخيرة. كان استدعاءً رسميّ الطابع. شكرته على عمله كسائق، وأخبرته أنني لم أعد بحاجة إلى سائق خاص لأنني ذاهبة إلى أوروبا في رحلة عمل طويلة الأجل.

أعطيته مالًا وفيرًا. ربما يشتري به قطعة أرض، أو يفتح سيركًا للأطفال من سن صفر إلى ثلاث سنوات.

قبلته على خديه، شعرت ببرودة جسده على وجهي، وبالحيرة في عينيه.

قلت له بصدق:
“إحنا لو كنا اتقابلنا في عالم تاني، كانت قصتنا انتهت بـ عاشوا في تبات ونبات.”

قال لي شيئًا أدهشني للمرة الأخيرة:
“وهو العالم التاني ده ألاقِي فيه؟”

رأيت الدموع في عينيه، وعرفت أنني أبكيت الطائر الحزين… أو أنني من أبكاه.

كانت تلك آخر مرة نلتقي فيها.

سافرت إلى أوروبا، بالتحديد لندن. كنت قد حجزت مع طبيب للإجهاض في أحد المستشفيات الخاصة. بعد الإفاقة، وبعد تأكيد الطبيب نجاح العملية، بكيت.

فقدت شيئًا كنت أحتاجه، لكنني أعرف أنني لم أكن أستطيع الاحتفاظ به.

ظللت في أوروبا فترة. أطوف العواصم، أتسوق، أمرح، أرقص. لكن ذلك لم يساعدني على نسيانه، ولا نسيان قبلاته التي كانت مثل أحضان الأطفال الباحثة عن الدفء.

أجهضت ذلك الحب بيدي، لأنني أعلم أنه لا وجود له في هذا العالم.

ربما عليّ أن أبحث عن ذلك “العالم التاني” الذي سألني عنه…
لكنني أعرف أنني لن أجده هنا.

أترون تلك الصورة لي على إنستجرام؟
التي أقف فيها مع أصدقاء لا أعرفهم؟
التقطتُها بعد الإجهاض بيوم واحد.

الابتسامة كانت زائفة.
أنتم تعرفون هذا، أليس كذلك؟

أما عيناي…
فلم تكونا تنظران إلى عدسة الكاميرا،
بل كانتا تبحثان عن عالمٍ آخر
لا وجود له.

Disclaimer: The image accompanying this story was created using an AI-assisted tool.
All written content is original and authored by the writer.

The phone left behind